بعيداً عن المخاوف المباشرة لمعارضة زيادة الضرائب، تعكس الحركة الاحتجاجية ضد ارتفاع أسعار الوقود في فرنسا الانفصال المتزايد بين المناطق الحضرية والريفية، وما قد ينجم عنه من تأثيرات على رئاسة إيمانويل ماكرون الوسطية.

عطلة نهاية الأسبوع الماضية شهدت خروج حوالي 300 ألف شخص في احتجاجات ’السترات الصفراء‘ على زيادة أسعار الوقود، وإغلاق أكثر من 2000 موقع عبر فرنسا. أعمال الاحتجاج أسفرت عن مقتل سيدة وإصابة 227 شخص يوم السبت، وفقاً لوزير الداخلية الفرنسي؛ بينما كشفت صحيفة ’لو فيغارو‘ عن مخططات لانطلاق مزيد من الاحتجاجات في 24 نوفمبر، وربما بعد ذلك.

طرحنا على كريستوفر ديمبيك، رئيس قسم التحليل الشامل لدى ’ساكسو بنك‘ - والذي يسكن في باريس - سؤالاً عن الأسباب الكامنة وراء هذه الاحتجاجات، وتأثيراتها على الاقتصاد الفرنسي؛ فقال: "تمت تسمية احتجاجات السترات الصفراء بهذا الاسم نسبةً إلى لون السترات التي ارتداها السائقون والمعتصمون المشاركون، وتعتبر الاحتجاجات تحركاً عفوياً وغير منظم، ودون أي مطالب واضحة، لكنها مدعومة بشكل جيد في المناطق الريفية. بدأ كل شيء بارتفاع أسعار البنزين الناجم عن ارتفاع أسعار النفط، وفرض ضريبة بيئية على الوقود".

وتمثل الضرائب في فرنسا حوالي 60% من أسعار البنزين. وعندما يقوم المستهلكون بشراء ليتر من البنزين، فإن 60 سنت تمثل سعر الوقود، بينما تخصص 10-20 سنت لتكاليف النقل من المصفاة إلى محطة الوقود، ويتم اقتطاع حوالي 1 يورو كضريبة استهلاك محلي لمنتجات الطاقة، وفي النهاية يتم خصم 20% كضريبة القيمة المضافة.

وأعلن المتظاهرون عن معارضتهم الصريحة للضريبة البيئية التي فرضتها حكومة ماكرون - والتي تبلغ قيمتها حوالي 55 مليار يورو خلال فترة رئاسته - لأنها تقيّد بشكل مباشر قدرتهم الشرائية. وحلّق مؤشر أسعار المستهلك الفرنسي نحو مستويات مرتفعة للمرة الأولى منذ سبتمبر 2014، وتمثّل السبب الرئيسي لذلك في زيادة الضرائب المفروضة في يناير الماضي (ارتفاع ضريبة المساهمة في الأمن الاجتماعي، فضلاً عن ارتفاع الضرائب المفروضة على التبغ والوقود).

ونجم عن هذه الارتفاعات تأثيرات شديدة السلبية على الاستهلاك في الربع الأول من عام 2018، وفي حال لم تسارع الحكومة لتأجيل قرار رفع الضرائب في الربع الأول من عام 2019، قد يتخذ التأثير ذاته منحىً غير ملائم جراء تباطؤ النمو وارتفاع أسعار النفط.

وقد تضيع الملامح الحقيقية لهذه التحركات في حال تم تقييدها باسم الحركة المناهضة للضرائب. فالقضية الأساسية التي ينطلق منها المشاركون في احتجاجات ’السترات الصفراء‘ هي الانفصال المتزايد بين المناطق الريفية والمدينة. وعلى مدار الأربعين عاماً الماضية، ركزت معظم السياسات العامة الفرنسية على خمسة أو ستة محاور بارزة، وأهملت المناطق الريفية بشكل كامل. وبدأ سكان تلك المناطق بخسارة الخدمات العامة، وعانوا من ارتفاع معدلات البطالة والافتقار المتزايد إلى روابط العبور بالمراكز التجارية للبلاد.

وقد أدرجت أدناه خريطة يمكنني الاستفادة منها لتوضيح مدى الإهمال الذي تعرضت له هذه المناطق الريفية؛ وتمثّل تطوراً لشبكة السكك الحديدية الفرنسية بين عامي 1910-2014. وكما هو موضح، كانت كل مدينة صغيرة في عام 1910 مرتبطة بالمدينة الحضرية عبر شبكة سكك حديدية؛ ولكن السياسة العامة منذ ذلك الحين، ونظراً لتركيزها على عدد قليل من المدن، أدت إلى إغلاق العديد من خطوط السكك الحديدية الصغيرة.

وبالنتيجة، اضطر سكان الريف لشراء السيارات نظراً لعدم وجود أي خيار آخر للنقل. وقد يضطر سكان مثل تلك المناطق إلى قطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى مكان العمل، أو السوبرماركت، أو اصطحاب الأطفال إلى المدرسة. وبالنسبة لمعظم العائلات الأقل حظاً، يمكن أن يلحق ارتفاع أسعار البنزين آثاراً سلبية هائلة على القوة الشرائية.

 

وأعتقد أن الحكومة الفرنسية ستدفع ثمناً باهظاً جراء استجابتها السياسية الباهتة لهذه الاحتجاجات. وكان الانفصال بين سكان المدن المتحضرين والمواطنين الريفيين أصحاب الدخل الأقل من أبرز الأسباب التي أثارت الشعوبية. ولا يمكن اتهام هؤلاء المتظاهرين بأنهم يعارضون الضرائب البيئية، فهم يدعمون التحوّل البيئي ولكنهم ببساطة عاجزون عن مواجهة ارتفاعها عندما ينفد المال قبل نهاية الشهر.

ولا يستهوي نموذج ’الدولة الناشئة‘ هؤلاء السكان؛ وما يريدونه حقاً هو كسب قوتهم بكد يمينهم، والشعور بالانتماء إلى الجمهورية الفرنسية. وما زال الأمر مبكراً لتوضيح الجهة الرئيسية المستفيدة من حركة ’السترات الصفراء‘ - هل هي اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف - ولكننا متأكدون تماماً أنها نقطة تحول هامة في رئاسة ماكرون.

بقلم: كريستوفر ديمبيك، رئيس قسم التحليل الشامل لدى ’ساكسو بنك‘


المصدر: actionprgroup

الأكثر قراءة

  • هذا الأسبوع

  • هذا الشهر

  • الجميع

Stock Market