وصل أحد المؤشرات الذي يتتبّع أداء سلة من السلع الرائدة إلى أعلى مستوياته في أربعة شهور هذا الأسبوع. وتلقّى القطاع دعماً من المكاسب بين المعادن الصناعية والحبوب، ولا سيّما القمح والنحاس.

واتخذت أسعار أونصة الذهب خطوة ارتفاع شديدة الأهمية بالرغم من صغرها، ووصلت إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2011 متجاوزة 1800 دولار أمريكي. وشهد مؤشر بلومبرغ للسلع الرئيسية، والذي يتتبّع سلّة من السلع الرئيسية في مجالات الطاقة والمعادن والزراعة، حالة من الضعف قبل عطلة نهاية الأسبوع حيث تزايدت مخاوف السوق من تفاقم حالات الإصابة بكوفيد-19 حول العالم.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تشهد الولايات الثلاثة الأكثر استهلاكاً للوقود ارتفاعاً كبيراً في عدد الإصابات، تُظهر المؤشرات التوجّه الفعليّ للمستهلكين نحو تغيير سلوكياتهم من جديد. وظهرت بوادر ارتفاع جديدة ومتسارعة في عدد الإصابات بأوروبا، حيث تمهّد دول مثل البرتغال وأوروبا الطريق لعودة محتملة مع انطلاق النشاط السياحي خلال الشهرين المقبلين.

وتأتي الرغبة بالمخاطرة خلال هذا الشهر مدفوعة بحُمّى الشراء المدعومة من الحكومة طيلة ثمانية أيام في الأسهم الصينية، والأرقام القياسية الجديدة والمرتفعة التي حققها مؤشر ناسداك 100 الأكثر تركيزاً على التكنولوجيا. ووصلت قيمة الدين الهامشي من المضاربين الصينيين إلى مستويات لم نرها منذ الفترة بين عامي 2014 و2015، مما ضاعف مؤشر CSI 300 الصيني ودفع نحو انهيار بنسبة 40%، فاضطرت الحكومة ووسائل الإعلام الحكومية للتدخل بإجراءات وتحذيرات لوقف الشراء.

وللتأكّد من استدامة أسعار الذرة والقمح بعد ارتفاعها الأخير بنسبة 10%، يترقّب تجار الحبوب تقرير التقديرات العالمية للعرض والطلب الزراعي الذي ستصدره وزارة الزراعة الأمريكية يوم الجمعة. وتمثّل الدافع الرئيسي في عمليات البيع على المكشوف، حيث ازداد الطلب على الذرة بفضل الانخفاض الأخير في مساحة الأراضي المزروعة بالولايات المتحدة الأمريكية. وقفزت أسعار العقود الآجلة للقمح في شيكاغو نحو أعلى مستوياتها في أكثر من شهرين، حيث انتشرت تساؤلات حول المستوى العالمي للعرض بعد التقديرات الأخيرة لحجم المحاصيل في الدول الرئيسية المصدّرة مثل الأرجنتين، وفرنسا وروسيا.

ونجحت أونصة الذهب أخيراً في تعزيز سعرها ليتجاوز عتبة 1800 دولار أمريكي، وهو ما عجزت عن تحقيقه في مناسبتين سابقتين آخرهما في عام 2012. والأبواب الآن مفتوحة نحو مزيد من الارتفاع، ولا سيما بعد نجاح الفضة في تجاوز المقاومة عند 18.40 دولار أمريكي للأونصة. مما قد يشير إلى ارتفاعٍ محتمل لأسعار أونصة الذهب نحو أعلى مستوى قياسي حققته في عام 2011 عند 1920 دولار أمريكي، بينما تواجه أونصة الفضة مقاومة في الوقت الراهن عند 19 دولار أمريكي، قبل وصولها إلى المستوى التالي عند 19.65 دولار أمريكي.

وبغض النظر عن الدعم المضاف بفضل المخاوف بانتشار الفيروس، جاءت التحركات الأخيرة في العائدات الأمريكية لتمثل عامل دعم رئيسي آخر لارتفاع الأسعار. وبينما لا يزال العائد الإسميّ للسندات مستحقة الأجل بعد 10 سنوات معلقاً في نطاق ضيّق نسبياً، حيث شهدنا عائدات متساوية تعكس التضخم والتوجه نحو الارتفاع، مما سيؤدي إلى تراجع العائدات الحقيقية وفق النسبة الحالية -0.8%. وتسلط هذه التطورات الضوء على شكل السوق الأمريكية مع ضبط منحنى العائدات، فيما لو اتجهت نحو سيناريو التضخم.

وتعتبر توقعات التضخم وما سينجم عنه من تراجع في العائدات الحقيقية، واحتمالات ضعف الدولار، عوامل رئيسية دافعة نتوقع استمرارها في دعم المعادن الثمينة خلال الشهور القادمة. ويضاف إلى ذلك تفاقم التوترات السياسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية قبل انتخابات نوفمبر، وخارجها مع الصين.

ويتجه الذهب نحو تحقيق مكاسبه الأسبوعية الخامسة. ويرجع السبب الرئيسي في ذلك - على المدى القريب - إلى قدرته على استقطاب زخم إضافي فوق 1800 دولار أمريكي للأونصة. وقد يزيد أي ضعف أدنى من ذلك المستوى من خطورة وقوع تصحيح آخر. وبشكل عام، لم تتغير توقعاتنا المتفائلة بارتفاع الأسعار، باعتبار الرقم القياسي الذي حققته في عام 2011 عند 1921 دولار أمريكي للأونصة، سيمثل المستوى الرئيسي التالي الذي ينبغي التركيز عليه - وهو رأي تشاركنا فيه جولدمان ساكس، وتعتقد أن سعر أونصة الذهب سيصل إلى 2000 دولار أمريكي خلال الأشهر الـ 12 المقبلة.



يجب أن يواصل ارتفاع أسعار الذهب والمعادن الصناعية دعمه لأداء قوي نسبياً للفضة. وما زالت نسبة أسعار الفضة إلى الذهب مرتفعة تاريخياً، فقيمة 97 أونصة من الفضة تعادل سعر أونصة واحدة من الذهب. وبناء عليه، يمكن أن نشهد قوة متزايدة ومستمرة لأسعار الذهب، مما سيؤدي إلى تخفيض نسبة الذهب-الفضة، وفي البداية نحو المستوى 90.

شهدت تداولات خام برنت وغرب تكساس الوسيط انخفاضاً بعد عدة محاولات فاشلة خلال الأسابيع القليلة الماضية لتجاوز عتبة المقاومة عند 44 دولار أمريكي للبرميل و41 دولار أمريكي للبرميل على التوالي. وما زالت مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة قريبة من مستوياتها القياسية، حيث تخشى السوق حالياً من دور تفشّي الفيروس في تكساس وكاليفورنيا وفلوريدا - الولايات الثلاث الأكثر استهلاكاً للوقود - بإبطاء عجلة الانتعاش الأخير للطلب. وترافقت مآسي العرض بأخبار حول نيّة ليبيا - الدولة التي مزّقتها الحرب - استئناف صادراتها من النفط الخام. ويأتي ذلك بعد شهور من إنتاج معدوم تقريباً قياساً بـ 1.1 مليون برميل يومياً في ديسمبر الماضي.

وفي آخر تقاريرها عن سوق النفط، ظهرت الوكالة الدولية للطاقة متفائلة في ضوء الانتعاش الأخير للطلب، ونجاح المساعي والجهود التي بذلتها مجموعة أوبك بلس لتخفيض العرض. وخيّم الارتفاع الأخير لعدد المصابين بـ كوفيد-19 بظلاله على التوقعات، مما هدد توقعات السوق بحصول تحول في سوق النفط من فائض كبير في النصف الأول إلى عجز في النصف الثاني. وهو ما دفع الوكالة الدولية للطاقة لإطلاق تحذيراتها بشأن خروج كوفيد-19 عن السيطرة جرّاء الارتفاع الكبير والمتسارع لأعداد المصابين، وما يعنيه ذلك من خطورة صدور توقعات متشائمة للسوق.

وبالرغم من اقتراب أسعار خام برنت هذا الأسبوع من أضيق مستوياتها منذ سبتمبر الماضي، إلا أن هذه التطورات ما زالت تدعم وجهة نظرنا حول الربع الثالث، والتي ترجّح بقاء أسعار خام برنت محصورة في نطاق بين منتصف الثلاثينات ومنتصف الأربعينات.

شهدت أسعار النحاس عالي الجودة ارتفاعاً كبيراً بنسبة 45% قياساً بانخفاضها في مارس، مما أعادها قريباً من ذروتها في يناير عند 2.886 دولار أمريكي للرطل. أما اللافت بشأن ارتفاع أسعار النحاس هو أنها وصلت لمستويات شوهدت للمرة الأخيرة قبل إعلان الصين رسمياً عن معاناتها من فيروس كوفيد-19. وانهار النمو الاقتصادي العالمي منذ ذلك الحين، وارتفعت معدلات البطالة.

ولكن النحاس نجح في الارتفاع مجدداً بفضل ثلاثة تطورات. فقد أثارت الجائحة توقعات بزيادة الطلب من مشاريع البنية التحتية، ولا سيما في الصين. وهو شيء لم يتم التأكد منه حتى الآن عبر ارتفاع قيمة شركات البناء في سوق الأسهم. ويضاف إلى ذلك قوة الشراء بقصد المضاربة، ليس في بورصات نيويورك ولندن وحسب، وإنما على الأرجح في الصين، نظراً للطفرة المذكورة في الرغبة بالمخاطرة. على أي حال، يتمثل التأثير الأكبر في قطع الإمدادات من تشيلي التي تعتبر أكبر مورّد في العالم، بعد إصابة آلاف عمال المناجم بالفيروس.

وبالرغم من قوة الزخم، إلا أن شكوكنا تزداد في قدرة النحاس على الارتفاع أكثر. وعند أعلى مستوياته منذ نوفمبر 2016، يدعو مؤشر القوة النسبيّة إلى التراجع نحو نطاق بين 2.75 دولار أمريكي للرطل و2.65 دولار للرطل. ولتحديد الخطوة التالية، سيتجه التركيز على المدى القريب نحو سلوكيات المضاربين، والرغبة المستمرة بالمخاطرة، وتطورات العرض في تشيلي.

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك

المصدر: actionprgroup


الأكثر قراءة

  • هذا الأسبوع

  • هذا الشهر

  • الجميع