أصبح من الصعب جداً الكتابة عن تطورات الأسواق العالمية خلال الأسبوعين الماضيين في هذه اللحظة من تاريخنا المشترك. فعلى غرار الكثير من دول العالم، توجهت الدنمارك نحو فرض إغلاق جزئي لحدودها وتقييد للحركة الوافدة إليها، بينما يشهد العالم ارتفاعاً بعدد ضحايا فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، ليس في أوروبا فقط التي أصبحت الآن البؤرة لتفشي الفيروس، بل والولايات المتحدة المتوقع أن تشهد ذات السيناريو في وقت قريب.

وفي محاولة لتجنّب تفشي العدوى قدر الإمكان، بات العمل من المنزل خياراً صائباً اتخذته الحكومات. ويتمثل الجانب الآخر من هذه الأزمة العالمية في الخسائر الهائلة التي تتكبدها الشركات الصغيرة من حيث الإيرادات، فضلاً عن الضغوطات الكبيرة التي تتعرض لها للبقاء ودفع رواتب موظفيها. وستشهد الأسابيع والشهور القليلة المقبلة قفزة كبيرة في معدلات البطالة، والتي ستحمل معها نهاية مؤقتة للأوقات الجميلة التي عاشها الكثيرون خلال السنوات العشر الماضية.

وبدورها، تدخلت الحكومات والبنوك المركزية للتخفيف من الآثار السلبية عبر طرح العديد من مبادرات الدعم الرئيسية للأفراد والشركات. ولكن يبقى وحده الوقت كفيل بالإجابة عما إذا بلغت الأزمة الراهنة ذروتها خلال الأسبوع الماضي أم لا! ولا سيما بعد ما شهدنا بعض المؤشرات الإيجابية المتمثلة بحدوث استقرار نسبي في أسواق الأسهم. وفي الوقت الراهن، يتمتع الدولار بقوة استثنائية بفضل تنامي مستويات الطلب وتراجع أسواق السندات على صعيد الشركات بشكل خاص، ما يسلط الضوء على التحديات القادمة التي سنواجهها على المدى المنظور.

وفيما يخص أسواق السلع، يوضّح الجدول أدناه حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع حتى الآن منذ بداية العام الجاري. فالنفط كان الأكثر تأثراً بالانهيار، حيث لم يشفع له اعتباره المحرّك الرئيسي لعجلة الاقتصاد العالمي ومصدر الدخل الرئيسي للعديد من الدول والمناطق. وأدى التراجع الملحوظ في حجم الطلب العالمي إلى إحداث فجوة بين العرض والطلب تتراوح بين 5-10 مليون برميل يومياً.



واعتباراً من شهر أبريل، قد تزداد هذه الفجوة اتساعاً بمقدار 5 مليون برميل يومياً بسبب حرب الأسعار التي بدأتها المملكة العربية السعودية قبل أسبوعين، فضلاً عن التراجع المستمر في مستويات الطلب على خلفية توقف الأعمال في الدول وتعطيل حركة الطائرات.

وتمخّضت هذه التطورات عن انهيار غير مسبوق في أسعار النفط، حيث وصلت أسعار برميل خام برنت إلى 25 دولار أمريكي للمرة الأولى منذ عام 2003. وقياساً بالسعر المتوسط للبرميل عند 65 دولار أمريكي في عام 2019، يبلغ حالياً صافي الانخفاض في مدفوعات المستهلكين للمنتجين حوالي 3.5 مليار دولار يومياً.

وعانت شركات الطاقة خلال هذه الفترة من انخفاض حاد في قيمتها السوقية. ومع استمرار حرب الأسعار، تحوّل الاهتمام الآن نحو قدرة شركات الإنتاج المثقلة أصلاً بالديون على الاستمرار والبقاء في ظل هذا السباق نحو الانهيار، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعاني العديد من المنتجين الصغار من مشاكل جراء الاقتراض الشديد والعوائد الضعيفة جداً على الأسهم. وسيصبح هناك سباقاً حقيقياً نحو الانهيار ما لم يتم تنفيذ تدابير مشددة للحد من مستويات العرض. وقد يؤدي الارتفاع اليومي لحجم المخزونات إلى مرحلة تصل فيها إلى ذروة طاقتها على الاستيعاب في غضون شهور، مما قد يدفع نحو إيقاف الإنتاج في نهاية المطاف. وسينطوي ذلك على تكاليف هائلة ستؤثر سلباً على الجميع، ولا سيما روسيا والمملكة العربية السعودية.



ويمكن تجنب هذا السيناريو في حال إعلان لجنة السكك الحديدية في تكساس عن تخفيض الإنتاج، وهي الجهة المنظمة لإنتاج النفط والغاز في الولاية التي تعتبر ثالث أكبر منطقة إنتاج في العالم، حيث تمتلك السلطة للتدخل وطلب تخفيض مستوى الإنتاج، تماماً كما جرى في عام 1973. ومن شأن مثل هذه الخطوة زيادة فرص الحوار بشكل كبير، وتراجع روسيا والمملكة العربية السعودية عن حرب الأسعار النفط الحالية.

وتعزيزاً للاقتصاد العالمي ورفاهية الجميع - منتجين ومستهلكين على حد سواء - سيتجه التركيز خلال الأشهر الـ 12 المقبلة نحو تجنّب وصول المخزونات إلى مستويات الذروة لأن ذلك يعني انهيار الأسعار. ويمكن أن تتجنّب أسواق النفط هذا السيناريو في حال تخفيض الإنتاج بنسبة 10%. فهذه أوقات استثنائية تتطلب اتخاذ قرارات لا تقل استثنائية عنها.

وأثيرت المخاوف حيال الدور الذي يلعبه الذهب بعد إخفاقه في تعزيز مكانته خلال الأسابيع القليلة الماضية، فضلاً عن تفشي فيروس كورونا المستجد وتنامي حالة من عدم اليقين حول أداء الاقتصاد العالمي. وعلى المدى القصير، يواجه المعدن الأصفر تحديات جراء استمرار الطلب على جمع الأموال وارتفاع قيمة الدولار وتزايد العائدات الحقيقية، ما أدى لتراجع توقعات التضخم.
وما زلنا محافظين على توقعاتنا الإيجابية، ونشير إلى وجود بعض أوجه الشبه مع الأزمة المالية العالمية بين عامي 2008-2009 وما بعدها.

ففي تلك الفترة، بدأت مرحلة الانتعاش في سندات تعدين الذهب قبل الانتقال إلى الذهب، واستغرق الأمر بضعة شهور أخرى قبل أن تعود البورصة للنهوض مجدداً من ركودها بعد طول انتظار. ونحن نراقب سندات تعدين الذهب من خلال صندوق فان إيك المتداول في البورصة والذي يتتبع شركات تعدين الذهب الرئيسية (رمز التداول: GDX:arcx).

ومرّ الذهب بمرحلة مبيعات متقلبة بنسبة 15% قبل أن يجد الدعم مجدداً عند 1450 دولار للأونصة. ويعود التصحيح ليثير التساؤلات بشأن المكانة المستحقة للذهب كملاذ آمن ومتنوع. ونعتقد أن أسباب المكانة الراهنة للذهب على المدى البعيد كانت مدعومة بالتطورات الحالية.

المصدر: ’ساكسو بنك‘
ويتساءل الكثيرون عن وضع الفضة بعد أن انهيار أسعار الأونصة إلى أدنى مستوى لها منذ 11 عاماً عند 11.65 دولار أمريكي. ونظراً لكونه معدناً منخفض السيولة، تماماً مثل البلاتين والبلاديوم، تحمل الفضة العبء الأكبر من حركة الإقبال على السيولة التي سادت الأسبوع الماضي. وأضاف الركود بعداً سلبياً آخر، نظراً لاستخدامه في 50% من التطبيقات الصناعية. كما تضخم معدل الذهب إلى الفضة إلى رقم قياسي بلغ 127 أونصة من الفضة مقابل كل أونصة واحدة من الذهب.

ويأتي الفضة مع الكرون النرويجي ضمن مجموعة العوامل الرئيسية التي هزت الأسواق العالمية في الأسابيع الأخيرة. وينتظر من تغيرات الأسعار في هاتين السوقين المختلفتين تماماً أن تعطي مؤشراً على مدى الإقبال على المخاطر في السوق.

المصدر: ’ساكسو بنك‘
تفوق قطاع الزراعة حالياً على قطاع المعادن الثمينة بصفته قطاع السلع الرئيسية الأفضل من حيث الأداء منذ تفشّي الفيروس. وشهدنا في الأسبوع الماضي مكاسب كبيرة لقهوة أرابيكا بسبب التقلبات الناشئة في سلسلة التوريد. وجاء القمح بين السلع الأقوى من حيث الأداء في الاستجابة لمستويات الطلب المتزايدة من قبل المستهلكين المذعورين والمتلهّفين لتموين الخبز والمعكرونة والبسكويت. وفضلاً عن مؤشرات ارتفاع الطلب الصيني، عززت هذه التطورات الطلب من المطاحن، بالإضافة إلى تحول الكثيرين نحو الخبز المنزلي.

المصدر: ’ساكسو بنك‘
في الختام، من المرجح أن يبقى التركيز خلال الشهور القليلة المقبلة موجهاً نحو الآثار السلبية لانخفاض الأسعار والناجمة عن الانخفاض الكبير في حجم الطلب على العديد من السلع الرئيسية، مثل النفط الخام والمعادن الصناعية، وصولاً إلى بعض السلع الزراعية. ومع استمرار تفشّي فيروس كورونا المستجد، يحتمل أن تواجه توقعات العرض بعض التحديات عندما تبدأ شركات التعدين والمنتجين بالشعور بآثار نقص الموظفين وانهيار سلاسل التوريد. وبدأ تأثير انخفاض أسعار الوقود يمتد من قطاع الزراعة إلى التعدين، وذلك لانخفاض تكاليف المدخلات. ومع ذلك، قد تدفع المخاطر المحتملة للعرض بعض الأسواق نحو العثور على الدعم في وقت أقرب مما توحي به توقعات الطلب.

بقلم: أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع لدى ساكسو بنك


المصدر: actionprgroup