لم يتمكن أكثر من 100 ألف طالب صيني بدء دراستهم الجامعية في أستراليا خلال فبراير من العام الجاري بسبب القيود المفروضة على السفر الدولي. وكلّف ذلك الاقتصاد الأسترالي أكثر من 8 مليارات دولار أمريكي على الأرجح وبدأت هذه المشكلة قبل انتشار الأزمة في أنحاء أخرى من العالم. ثم وصلت الخسائر إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث يضيف الطلاب الأجانب في الولايات المتحدة ما يصل إلى 45 مليار دولار أمريكي سنوياً إلى الاقتصاد، وتتلقى الجامعات البريطانية ما يقارب 8.6 مليار دولار أمريكي من الطلاب الأجانب.

وأظهرت لنا جائحة كوفيد-19 ضرورة تكيّف كل المؤسسات مع التغيرات السريعة وغير المسبوقة، أو مواجهة خطر الاندثار. إذ تحتاج الشركات اليوم إلى ضمان مرونة منتجاتها وخدماتها لتلبية المتطلبات المتطورة باستمرار في عالم ما بعد الجائحة.

وتعد المؤسسات التعليمية من بين الأكثر تضرراً من الأزمة الصحية على مستوى العالم. فأُجبرت المدارس والجامعات على الإغلاق لفترات طويلة، واضطرت المؤسسات إلى إعادة صياغة نماذج أعمالها الحالية لضمان استمراريتها في أعقاب كوفيد-19.

ويعاني قطاع التعليم من ضعف خاص أمام الوباء. لطالما فضّلت النماذج التقليدية للجامعات التعليم داخل الفصول. فيشكل الطلاب عملاء هذه المؤسسات ومنتجها هو نظام تعليمي يتيح لهم فرصة أكبر بالحصول على عمل مربح بعد التخرج. ويُعتبر امتلاك حرم جامعي ضخم ومترامي الأطراف أمراً معتاداً منذ مئات السنين. لكن يتغير ذلك الآن. فأعتقد أن الجائحة ستغير طريقة عمل الجامعات، في ظل معاناتها الحالية للحفاظ على عملياتها دون وصول مباشر إلى عملائها.

واستفادت أكبر الجامعات الحكومية وأكثرها شهرة في العالم تقليدياً من خبراتها لمئات السنين وتلقيها لتمويل وأراضٍ عبر منح حكومية. ولم تُضطر هذه الجامعات في تاريخها إلى التكيف مع ظروف استثنائية تشبه ما نعيشه الآن، مما يجعلها غير مستعدة للعمل بشكل مستقل بنماذج أعمال مستدامة ودون وصول إلى حزم إنقاذ أو تمويل من الحكومة.

لكن في المقابل، لا تستفيد الجامعات الخاصة في معظم الأحيان من حزم إنقاذ حكومية أو تمويل خارجي، مما يجعلها رشيقة ونشطة ومرنة في التكيف مع التغييرات غير المتوقعة. وبالنظر إلى طفرة تدويل التعليم العالي، حيث يسافر أكثر من خمسة ملايين طالب من بلادهم إلى الخارج كل عام، من الضروري أن نسأل ما الذي يبحث عنه هؤلاء الطلاب بالضبط؟



هل يريد الطلاب الدوليون فعلاً حرماً جامعياً كبيراً يتضمن منشآت رياضية ومساحات مفتوحة واسعة؟ وهل يمكن للجامعات الإبقاء على هذه المرافق وتقديمها كجزء من نموذج عمل مستدام؟

أجرت مدينة دبي الأكاديمية العالمية وبي إم آي، وهي شركة استشارية عالمية تربط الطلاب الدوليين بالجامعات حول العالم، دراسة بحثت سوق التعليم، شملت استطلاعاً لـ 2700 طالب دولي من 50 دولة. ووجدت الدراسة أن أهم سمتين يبحث عنهما الطلاب في الجامعة هي جودة التعليم والتوظيف. أما المرافق الرياضية والمجتمعية فاعتُبرت الأقل أهمية!

ووجدت الدراسة أن الطلاب أقل اهتماماً بالخدمات الغير تعليمية مثل الرياضة أو الفعاليات المجتمعية، بل يركزون على المبادرات التي تزيد من فرصهم في الحصول على عمل.

ومع تطور مشهد التعليم العالي، يجب أن يتطور ما تقدمه الجامعات أيضاً: من أنواع الشهادات المقدمة، وصولاً إلى المرافق التي يريدها الطلاب. ولذلك سيصبح التعليم المدمج بالغ الأهمية في المستقبل القريب. فسوف تُضطر الجامعات في جميع أنحاء العالم إلى تقديم التعليم المدمج أو التعلم عن بعد كنظام توصيل تعليمي. واستخدمت المؤسسات التعليمية ذلك كوسيلة تعليمية قابلة للتطبيق لبعض الوقت الآن، لكن لم تكن على هذا القدر الكبير من الأهمية سابقاً.

ويوفر التعليم المدمج الحل الأمثل للتحديات التي تطرحها الجائحة. وعبر الجمع بين المواد التعليمية عبر الإنترنت وفرص التفاعل مع الأساليب التقليدية القائمة على الفصول الدراسية، يستطيع الآن الطلاب من جميع أنحاء العالم التفاعل والاستفادة أيضاً من التواجد داخل الفصل الدراسي أو المختبر.

ويجب على الجامعات ضمان امتلاكها للأساسيات والبنية التحتية الرقمية الضرورية لتلبية النطاق الواسع المطلوب لتقديم هكذا خدمات بنجاح وبشكل مستدام. كما يجب عليها التأكد من التزام جميع التقييمات والامتحانات عبر التعليم المدمج بعملية حوكمة أكاديمية صارمة توازي تلك المتبعة في وسائل التعلم التقليدية داخل الفصول الدراسية.

ومن منظور الإمكانيات المالية، هل ستستمر هذه الجامعات الضخمة ذات الحرم الجامعي العملاق في الازدهار في عالم ما بعد كوفيد-19؟ وهل يبحث الطلاب الدوليون الحاليون فعلاً عن هذه المرافق كجزء من تعليمهم العالي؟ فمع زيادة تكاليف تشغيل هذه المرافق، يثبت نموذج "نيويورك" للحرم الجامعي العمودي الموجود داخل مناطق الأعمال المركزية جاذبيته للطلاب الذين يرغبون في تأمين شراكات وعمل مربح في نهاية المطاف لتحقيق أعلى عائد من الرسوم التي خصصوها لتعليمهم الجامعي.

وسيجبر كوفيد-19 النماذج القديمة في قطاع التعليم على التكيف والتطور لتقديم المزيد من الخدمات الموجهة للعملاء من نواح عديدة. وعلى المدى الطويل، قد يحدد ذلك أيضاً زخم تغيير المناهج والمنهجيات لتلبي المؤسسات التعليمية متطلبات القرن الحادي والعشرين.

أندي فيليبس، الرئيس التنفيذي للعمليات في جامعة ولونغونغ في دبي

المصدر: apcoworldwide