تُعدّ وظيفة المحاسبة ركيزة أساسية لنجاح الأعمال، سواء فيما تتيحه من قدرة على التحكم بالموارد المالية، أم في تحديد الوجهات المناسبة لتخصيص تلك الموارد.

وفي وقتنا الحاضر، يتحوّل دور المحاسب بعيداً عن الصورة النمطية للموظف الذي يحتفظ بالسجلات المالية، ليشغل مهام أخرى تسهم بصورة مباشرة في قرارات الأعمال الاستراتيجية. وفي مختلف أنحاء العالم، يتبنى المحاسبون، كل يوم، مختلف التغيرات التي تطرأ على وظائفهم للبقاء على معرفة مباشرة بمسيرة هذا التحوّل.

وأظهر تقرير "سايج" الذي حمل عنوان "واقع مهنة المحاسبة لعام 2019"، العديد من الأفكار الرائعة حول ما تشهده هذه المهنة، عبر استطلاع آراء أكثر من 3 آلاف محاسب حول العالم. وفي التقرير، أكد أكثر من ثلثي المحاسبين المشاركين أنهم على "ثقة عالية"، أو أنهم "واثقون" بقدرتهم على تقديم المزيد من النصائح العامة لإدارة أعمال العملاء، وأوضحت نسبة 82% منهم أنهم يفكرون في إمكانية التوظيف بعيداً عن الخلفية المهنية المعتادة في هذا المجال. في حين أكدت نسبة 62% من هؤلاء المحاسبين أن برامج التدريب الحالية على المحاسبة لن تكون كافية لضمان النجاح في ممارسة المهنة بحلول عام 2030، وستحتاج تلك البرامج إلى التحديث كي تتيح للشركات مواكبة الابتكارات الجديدة، وتلبية الاحتياجات المتنامية لعملائها.

وفي السياق ذاته، أكدت نسبة 90% من المحاسبين المشاركين في الاستطلاع عن اعتقادها بوجود تحوّل في مفاهيم المحاسبة مع دخول العقد الجديد. ويدفع هذا التحوّل نحو تغييرات كبيرة في ممارسات التوظيف، وخدمات الأعمال، والنظرة نحو التكنولوجيا الناشئة في مختلف أنحاء العالم.

وفي غمرة الإحلال الرقمي الذي تشهده مفاهيم أعمال المحاسبة، تسعى الحكومات والقطاع الخاص في الشرق الأوسط للاستثمار المكثف في التكنولوجيا التي تدفع الابتكار، والأمر ينطبق أيضاً على شركات المحاسبة.

وفي إطار توسيع نطاق أعمال هذه الشركات، وزيادة القيمة التي تقدمها لعملائها، يعدّ التعلم الآلي وأتمتة العمليات الروبوتية، وأنظمة التشغيل القائمة على تكنولوجيا "بلوك تشين"، بعضاً من المكوّنات الجديدة والهامة التي ينبغي تبنيها. وبصورة متسارعة، يقوم المزيد من المحاسبين بتقديم خدمات ذكية ومخصصة قائمة على البيانات والتوقعات لشركاء أعمالهم. وبالإضافة إلى تعزيز كفاءة الأعمال وإنتاجيتها، تسهم التكنولوجيا أيضاً بمساعدة شركات المحاسبة على إعادة توجيه مواهبها البشرية لأداء وظائف أكثر أهمية.

ومن ناحية أخرى، تدرك شركات المحاسبة أيضاً دور ممارسات التوظيف الحديثة، والقوى العاملة المتنوعة في تحسين الأعمال، وضرورة امتلاك الموظفين الجدد لخبرات أو تدريبات من خارج نطاق المحاسبة التقليدية. وأصبحت المهارات الأخرى، مثل المعرفة التكنولوجية، والقدرة على بناء العلاقات وتقديم الاستشارات التجارية مسائل ذات أهمية متزايدة في تشغيل الأعمال الناجحة. وذلك يعني بالضرورة أن الشركات تحتاج إلى النظر في تدريب قواها العاملة واستيعابها، كي تتمكن من مواكبة الابتكار وتلبية متطلبات العملاء المتطورة.

وأما المهارات الأساسية التقليدية في مسك الدفاتر والحسابات فما تزال ضرورية لتأسيس أعمال راسخة، إلا أن المزيد من المتخصصين في هذا المجال يتطلعون إلى الإحلال التكنولوجي وتلبية طموحاتهم في إطار أعمالهم. كما نشهد مؤشرات على وجود تحوّل مستمر في المحاسبة كمهنة قائمة على إنجاز التعاملات، لتصبح ممارسة متطورة مرتكزة على الشراكة والاستشارات. ولتلبية طموحاتهم في هذا الإطار، يبحث المحاسبون خارج نطاق مهنتهم سعياً لاكتساب المواهب والخبرات التي يحتاجونها.

وبصورة عامة، تبدو النظرة المستقبلية نحو مهنة المحاسبة إيجابية، كما تبدو رغبة المحاسبين في التكيف والتطور عالية أيضاً. ومع ذلك، فإن نجاحهم المستقبلي خلال السنوات القادمة يتطلب منهم اعتماد التغيير. كما نجد أن المحاسبين على أعتاب مرحلة من التحوّل، تتأكد مع اعتقاد الأغلبية منهم بوجود تغيير متطور في ممارستهم المهنية.

وبالفعل، أكد أكثر من نصف المحاسبين الذين استطلعنا آراءهم على تمكنهم من تقديم المزيد من المشورة والدعم والقيمة لعملائهم عبر اعتماد تكنولوجيات أفضل. وعلى الرغم من ذلك، تعتقد الأغلبية منهم أن مهنة المحاسبة في بلدانهم تحتاج إلى رفع وتيرة اعتماد التكنولوجيا لتمكين التغير المنشود، من خلال التحوّل في دور المحاسبين التقليدي، بما يعود بالفائدة في نهاية المطاف على العملاء الذين يخدمونهم.


جينيفر واراوا، نائب الرئيس التنفيذي في "بارتنرز" للشركاء والمحاسبين والتحالفات في سايج